فيك يا قلبي أنين لا يبين
والهوى العربيد فيك مستكين…
من جراح القدر… من دموع السهر….
منك يا ذكرى….
حسين عبدالله سراج
استيقظت سلمى من نومها العميق على صراخ وليدها لتجد نفسها مجددا تعيش واقعا مريرا… اتجهت مسرعة نحو مهد الصغير تحمله و تهدهده متبينة أسباب بكاءه في محاولات عدة لتهدئته..
بينما يعكس ضوء المصباح الجانبي الباهت خيالهما المترنح فوق الستار و أعلى الجدار..
وبعد ان هدأ الطفل و بدأت أنفاسه في التصاعد وضعته امه في مهده وألقت عليه نظرتها الأخيرة وهمت بالعودة إلى فراشها المهجور لكن الوسن أبى إلا أن يغيب عن جفنيها…
نظرت سلمى نحو الفراش بسأم و الوسائد ملقاة حوله بلا ترتيب
فلم ترغب بالاقتراب منه و اختارت أن تجلس على مقعد بجانب الشرفة تستمع الى الموسيقى الخفيفة المنبعثة من المذياع وهي لا تنوي فعل أي شيئ سوى التنقل بناظريها مابين خارج الشرفة وداخل المكان ..
غرقت سلمى في تفاصيل المكان…غابت بين انحناءات الغصون المنقوشة فوق الأخشاب.. وانخرطت في ملاحظة كم هي دقيقة زخرفة السجاد… وخلسة تدخل في حبات البلور المتدلية من أعلى الثريات ,, و تترقب الكرات الزجاجية الوهمية كما كانت تلاحق فقاقيع الصابون وهي طفلة في أول عهد الطفولة وعلى يقين بأنها ستمسك بفقاقيع الصابون في يوم ما….
استقرت عينيها على هذا الشمعدان سداسي الشمعات…
و فجأة باغتتها الذكريات و هاجمتها كأنها الجيوش يوم الزحف..
وتوالت الذكريات..وعاد الزمان في مخيلتها إلى الوراء..
سنوات بل سنوات وسنوات….
هاهي سلمى بشعرها الفاحم الطويل..وقامتها الفارعة و جسدها الريان..ترتدي جينزا أزرق ملتصق بجسدها و سترة حمراء قصيرة من الجلد و حول رقبتها تلتف كوفية بألوان الطيف و على عينيها النجلاوتين تضع عوينات سوداء .. أما العطر فيملأ أروقة الأماكن اللتي تمر بها و لا ينتهي بسهولة….
كانت تركض نحو سيارتها مسرعة تقرع الطريق قرعاً بكعبيعا العاليين صاخبي الدقات….
المدينة هي الأسكندرية والتقويم يشير الى الثاني من نوفمبر من العام 1999…و الطقس غائماً شتوياً ,,و الساعة تقترب من العاشرة صباحاً…
كانت في عامها الجامعي الأول و كان قلبها مفعما بالبراءة ..
اتفق الأصدقاء للقيام برحلة شتوية لمدينة شرم الشيخ….
أما سلمى فاعتصمت و قامت بالمظاهرات و الاحتجاج و مقاطعة الطعام لكي تثني أهلها عن رفضهم مشاركتها أصدقائها القيام بالرحلة….
واخيراً وافق والدها …وغمرتها الفرحة و أخذت تقفز كالمجنونة فوق سريرها من شدة الفرحة….
وهنا تبدأ القصة…و من هنا تبدع الذاكرة في تذكر التفاصيل الحبيبة و القريبة ….
سافرت المجموعة الى شرم الشيخ وفي إحدى الأمسيات…..
تدخل سلمى المطعم لتشارك المجموعة تناول الغداء..فشاهدتها عيناه…تلك التي لا تنسى و لا يأفل سحر نظرتهما الأولى في الذاكرة مهما تباعدت الأيام….
ما هذه العينين يا حبيبي اللتي أمتلكتهما وما أجمل حاجبيك المعقودين حين شاهدتك لأول مرة……سلمى تحدث نفسها..
بهرته سلمى لحد الجنون فقام يجلسها مكانه…وقام معه جسد أسمرمفتول و شباب فج يكاد يتفجر رغما عنه …
وعندما جلست ومازالت تتبعه بنظراتها قدم إليها نفسه…
مهاب مهندس انشائي.. حضرت الرحلة مع صديق لي…
أجابت وكأنها في حلم وكأنها تتعجب من ما يحدث على غير دراية بأسباب توترها وسعادتها…وأنا سلمى…
وبغير ترتيب مسبق…وجدت نفسها بمفردها تتناول الغداء مع مهاب…فلا تذكر كيف تركت الأصدقاء…ولكن الكلام لم ينقطع معه و استعذبت جلسته و التذود بالأنس في حضرته…
اختارت مقعدا مواجها لتلك الشرفة الزجاجية العملاقة المطلة على الشاطئ حيث الرياح تعبث بالبحر و الأمواج تتلاحق كالأطفال حينما يتسابقون في الساحات المتسعة….
وجلس هو قبالتها يشاهد معها انحدار قرص الشمس نحو المجهول معلنة انتهاء يوم من الايام ولعله أجمل يوم عاشت فيه سلمى ..
وتتلاشى الشمس تدريجيا و كأنها تذوب في الأفق تاركة خيوطا ذهبية كالسهام من نورها مخترقة السحائب …و تخضبت الوجوه أثر ضوء الغروب الذهبي….
فوجه نظرته نحوها فاشاحت بوجهها في ناحية أخرى خجلا فقد كانت تتأمله خلسة ….
المزيد