أنا لم أكن أدري
بأن بداية الدنيا لديك
وأن آخرها اليك
وأن لقيانا قدر
فاروق جويدة
كانت المرة الأخيرة التي هاتفها.. حواء مسكينة ظنت أن الرجل
احبها..ظنته واهبها حنانه فانجرفت نحو عواطفها المشبوبة دائما
هي مصدومة.. يالهامن امرأة مسكينة..
لم تعد الدنيا بأبعادها الثلاثية مهمة فكل المعاني متشابهة وكل الوجوه وجه واحد…وكل الألوان لون واحد….تلك هي حياة شاهيناز…….
…شاهيناز سيدة شابة عشرينية تعيسة..سافرت الى الدار البيضاء حيث تزور والدتها المقيمة هناك…حملت معها الى المغرب بقايا شقاء..
وحرمان من حنان الزوج المهاجر المشغول أربع وعشرين ساعة في اليوم وسبع أيام في الأسبوع….انسانة وحيدة…عصبية حادة المزاج….
كانت شاهيناز تعمل في مكتب السفير الألماني ..هي سكرتيرة تنفيذية ممتازة سبق لها العمل في وزارة الخارجية في لندن حيث تقيم مع زوجها..ولكنها وجدت أخيرا الفرصة الافضل عند السيد السفير الألماني في الدار البيضاء..
فالسعر أعلى.. والوسط الاجتماعي مختلف.. وهي تبتعد عن مراد زوجها..وتعيش مع والدتها..وتريح دماغها من المشاكل مع مراد…
شاهيناز أنيقة… لبقة.. واثقة من نفسها….
هي دقيقة في كل تفاصيلها…. هي مخلصة في عملها وفي زواجها….
شاهيناز سيدة صغيرة جميلة…بل انها فاتنة…
يوم الأثنين الموافق كذا وكذا من التاريخ!!!
شاهيناز تفتح مكتبها.. قائمة المهام اليومية ممتلئة… تشير عقارب الساعة الى التاسعة صباحا.. ياله من نهار مليئ بالأعمال المهمة…
تطلب من خادم المكتب فنجانها الصباحي من القهوة المعدة بعناية ..فهي تعشق كل تفاصيل فنجان القهوة… الفنجان هدية ثمينة وفاخرة من أحد معارفها الديبلوماسيين
انه من أرقى أنواع البورسلين..لونه الأزرق ونقوشه الذهبية دقيقة مرسومة بعناية…
انه من الطراز الفرنسي القديم… اشتراه لهاالمعجب من أحد المزادات بفرنسا..بمبلغ كبير… تتأمله وكل يوم تتسائل ما الذي يدفع رجل كهل عجوز لشراء مثل تلك الهدية لمجرد قضاء ليلة معها.. هل يطلب الرجل منها ليلة أم أكثر؟؟؟؟ فليس هناك رجل قابلته شاهيناز على حد قولها شريف يطلب غير قضاء ليلة ومتعة ثم يمضي بعدها هذا هو مطلب الرجال البهيميين الأبدي….
شاهيناز تعشق القهوة ولكن مزاجها لا يكتمل بدون أن تتناول قطعة الشيكولا
السوداء…….. تفتح غلافها الذهبي… وهي في نفس الوقت تتابع رسائل بريدها الأليكتروني وتستمتع برائحة البن الطازج الشهية وترتشف من الفنجان رشفات متتالية
ولكنها لم تكمل الشيكولا وضعتها جانبامع الفنجان..لفت انتباهها شيئ ما..على غير عادتها… انتفض قلبها فجأة من رسالة عبر بريدها من مجهول يدعى ابراهيم يطلب التحدث اليها.. لم تعرف لماذا انتفض قلبها و اضطربت احوالها..بدون سبب لمجرد رسالة مجهولة المصدر .. قبلت الدعوة..من باب الفضول .. وكانت المرة الأولى التي تقبل فيها دعوة حديث أو كما يقولون دردشة عبر الاثير!!!
تحدثت اليه.. كانت دردشة عامة تخللتها كافة المواضيع…سياسة .. أخبار … اشاعات أهل الفن.. وغيرها… ياله من متحدث لبق مثقف.. وملم بأحداث الساعة وهو يتكلم في كل المواضيع… أنه ذكي .. يبدو أن صاحب هذا الأسلوب و تلك الثقافة رجل أنيق..و ربما كان وسيما.. انتهت الدردشة على وعد بلقاء قريب.. ولكن لم ينسى ابراهيم أن يتبادل مع شاهيناز أرقام هواتفهما المحمولة…
انتهت المحادثة ولكن صداها مازال يتردد في قلب شاهناز الصغير… شرد ذهنها بعيدا… تناولت سيجارة من علبة سجائرها المارلبورو.. وأشعلتها وطارت مع الدخان وتلاشت مثله , وهي ترفع رأسها المسندة على ظهر كرسيها تراقب تفاصيل الثريا..
وماهي إلا لحظات حتى أفاقت على رنين هاتف المكتب….
انتهى يوم العمل المثقل بالأعباء والمشاغل… تليفونات.. فاكسات … مواعيد… اتصالات … استقبال الضيوف… مراجعة ملفات العمل … كتابة التقارير اليومية…
الاشراف على سير كافة الأمور في جميع أقسام المكتب….والأبتسامة الدائمة.. الإجبارية…
جائتها رسالة عبر الهاتف المحمول وهي تهم بفتح باب سيارتها….
لم تفتحها فهي متعبة مرهقة ويا حبذا لو مرت على النادي الصحي لتدلل جسدها ببعض الراحة وحمام بخار.. ولوكان هناك متسعا من الوقت تمارس بعض التمارين السويدية وبعض التدليك لجسدها المنهك…تحدث نفسها.
نسيت شاهيناز ما حدث في طلعة النهار … نسيت بريدها الألكتروني ..ونسيت الزائر المجهول…
بعد أن انتهت شاهيناز الجميلة من مشوار النادي الصحي ..عادت لبيتها نشيطة سعيدة متفائلة.. برغم الحزن الدفين و القلب المكسور ومشاكل مراد وحنينها لابنها زياد… ادخلت مفتاحها في الباب..
وفتحت الباب .. استقبلتها قطتها الفارسية البيضاء.. داعبتها.. دللتها ثم.. ذهبت لتتناول عشائها في المطبخ ومن ثم تتجه الى غرفة نومها….
شاهيناز تفتح هاتفها لترد على مكالمة تلفونية فتفاجأ برسالة من السيد ابراهيم الزائر المجهول الذي حادثته صباحا من خلال الإنترنت..يقول لها فيها الآتي:
تحية من القلب ومن الشفاه…. ومن روحي لروحك….. وحشتيني….!!!!
أوه!!! تنطق شاهيناز مزعورة مندهشة!!! كيف نسيت هذا ياله من شخص جذاب؟؟؟ ولماذا جذبها حديث المدعو ابراهيم… انها سيدة مجتمع صغيرة كثيرة ومتشعبة العلاقات ولها الف معجب ومعجب… لماذا تنجذب لشخص مجهول..
لا تعرف وسؤال ليس له اجابة في قلبها غير انها معجبة باتساع أفق هذا الرجل القارئ المثقف…
اتصلت به ..وسمعت صوته لأول مرة.. صوته أنيق.. وهادئ وواثق.. وراقي الكلمات.. مهذب الحديث منمق في اختيار الردود.. سريع البديهة وخفيف الظل…
كيف يكون حال هذا الرجل…
قال لها… يبدو أنك جميلة..
قالت.. وما الذي يجعلك واثق من جمالي؟؟
قال… صوتك الدافئ… وروحك الجميلة…واسلوبك…
أغدا موعدنا؟؟
سأنتظرك..
وأنا سأنتظرك لأخر يوم من عمري….
كلمات ساخنة والقلب مضطرب…ومختلج النبضات… ويلوح حب جديد في الأفق..
شاهيناز نامت تحمل احساسا جميل… وهي تنسى واقعها ..وتنغمس في أعماق سحيقة أبعد ألما من الواقع الذي تحياه مع زوجها….
النوم عميق تلك الليلة والجو دافئ لا يخلو من برودة خفيفة….
وتصحو شاهيناز على رسالة صباحية في هاتفها المحمول من السيد ابراهيم الزائر المجهول يقول لها فيها…
صباح الهنا و السرور على أجمل بنات الحور..
تشعر بدفئ يحتوي مشاعرها.. ورقة تقطر من سلوك رجل غريب .. من يكون هذا الرجل؟
تصحو متفائلة متجهة الى عملها الصباحي…
ويمضي اليوم كباقي الأيام وتعود لبيتها… متعجلة الجلوس أمام جهاز الكمبيوتر لتلاقي الزائر المجهول… وأخيرا تجده في انتظارها وقد ارسل لها عشرات الإيميلات.. في انتظارها على أحر من الجمر يقول لها… أول ما يقول…












































